من كان يصدق أن أزقة “الفافيلا” المنسية في مدن البرازيل، التي طالما صدرت للعالم سحرة المستديرة، ستستيقظ يوما على إيقاع مغربي خالص؟. ففي أحد أحياء البرازيل الشعبية، حيث اعتادت الكرة أن تولد بين الأزقة الضيقة قبل أن تصل إلى ملاعب المونديال، التقطت كاميرات الهواتف مشهدا بدا عصيا على التصديق قبل سنوات قليلة. أطفال برازيليون، أبناء بلد بيلي ورونالدو ونيمار، يرتدون قميص المنتخب المغربي ويحتفلون بأهدافه كما لو أنهم نشأوا في حواري الدار البيضاء أو زاكورة أو السمارة. لم يكن الأمر مجرد لقطة طريفة تصلح لمنصات “الريلز”، بل كان سؤالا سوسيولوجيا كاملا. ماذا يدفع طفلا برازيليا إلى التخلي رمزيا عن أكثر قمصان العالم سحرا ليتماهى مع منتخب قادم من الضفة الأخرى للأطلسي؟
بالنسبة لرشيد جرموني، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة مولاي إسماعيل، فإن ما يحدث يفتح دائرة جديدة في سوسيولوجيا الرياضة وأنثروبولوجيتها، لأن الاهتمام المتزايد بالمنتخب المغربي لم يعد متعلقا بكرة القدم بوصفها لعبة فحسب، بل أصبح مرتبطا بالهوية الرمزية والانتماء والاعتراف الثقافي.
لقد تجاوز المنتخب المغربي حدود الدولة الوطنية، فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، لم يعد يمثل بلدا في شمال إفريقيا فقط، بل تحول في المخيال العالمي إلى رمز لنجاح بلد من الجنوب العالمي، بلد عربي وإفريقي ومسلم استطاع أن يشق طريقه وسط فضاء كروي طالما احتكرته أوروبا وأمريكا الجنوبية. في هذا التحول، لم يعد اللاعب المغربي مجرد لاعب كرة قدم، بل صار بطلا يحمل أكثر من هوية في آن واحد، محليا في جذوره وعالميا في تأثيره.
ولعل هذا ما يفسر لماذا لم يعد قميص “أسود الأطلس” مجرد منتج رياضي، فقد شهدت مبيعاته قفزة تاريخية غير مسبوقة، ضمن أكثر القمصان طلبا في العالم، بينما تحولت صور اللاعبين وهم يحتفلون مع أمهاتهم، ومشاهد التضامن الجماعي داخل المنتخب، إلى محتوى عالمي دائم التداول على تيك توك وإنستغرام وفيسبوك. لقد انتقل القميص من خانة السلعة إلى خانة الرمز، من قطعة قماش إلى لغة اجتماعية، ومن هوية وطنية إلى هوية قابلة للتبني عالميا.
هيستيريا القميص المغربي في الفضاء الرقمي
إذا كانت المدرجات توثق اللحظة الرياضية العابرة، فإن منصات التواصل الاجتماعي، عبر مقاطع “الريلز” و”تيك توك” المتداولة، باتت تسجل توثيقا حيا وملموسا لظاهرة عابرة للقارات ودون أي رتوش. في هذه المقاطع الحقيقية، لم يعد مشهد قميص الأسود حبيس المستطيل الأخضر، بل تحول إلى جزء من المظهر اليومي لأجانب من مختلف الجنسيات، حيث ترصد الكاميرات مؤثرين وصناع محتوى أجانب يتجولون بالقميص الوطني بنجمته الخضراء في الأسواق والساحات العامة بكل فخر، ويشاركون به تفاصيل جولاتهم، وأنشطتهم، وتفاعلاتهم العفوية مع المارة.
هذا الزخم البصري الموثق بالصوت والصورة لا يتوقف عند حدود الهواة، بل يمتد ليشمل مشجعين ومؤثرين من أمريكا اللاتينية وآسيا، يرتدون القميص المغربي في فضاءاتهم الخاصة والشارع العام، متباهين بسرديته الإنسانية. فهذه الفيديوهات الواقعية، التي تحصد ملايين المشاهدات والتعليقات الإيجابية، تكشف كيف تحول القميص في الوعي الرقمي العالمي من مجرد زي رياضي إلى “أداة تعبيرية حية” وعلامة عصرية يرتديها الأجنبي طواعية، ليعلن عبر شاشته تماهيه التام مع الكاريزما المغربية وانحيازه لروح الشغف والتحدي التي بات يمثلها المغرب في أعين العالم.
منطق البطل البديل وسقوط احتكار المركز
في بطولة مدرسية بإحدى المدن البرازيلية، ظهرت فرق كاملة من الأشبال ترتدي القميص المغربي بكامل شغفها. وفي المدرجات والبلدات المونديالية الصاخبة، رصدت الكاميرات مشجعين من جنسيات مختلفة، يرفعون علم المملكة بوصفه خيارا أول وبديلا أصيلا رغم غياب أي روابط عرقية أو وطنية مباشرة بينهم وبين المغرب. كيف يمكن تفسير ذلك سوسيولوجيا؟
يستحضر جرموني هنا، في حديثه لـ”الأيام” مفهوم “منطق البطل البديل”. فالجمهور العالمي يميل بطبيعته إلى تشجيع الفرق الصاعدة التي تملك الشجاعة لتحدي الهيمنة التقليدية. البرازيل تمثل تاريخ القوة الكروية المطلقة، لكن العديد من المشجعين، حتى البرازيليين أنفسهم، وجدوا متعة رمزية في دعم فريق صاعد ينافس الكبار دون أن يمتلك إرثهم التاريخي أو إمكاناتهم الهائلة، منتخب قادم من “الهامش الكروي” يجرؤ على اقتحام مركز اللعبة، ليقدم تجسيدا حيا لفكرة أن المستحيل قابل للكسر.
ويبدو أن هذه الفكرة تجد صدى عميقا لدى الأطفال تحديدا، ففي سوسيولوجيا الطفولة، يبحث الصغار دائما عن نماذج تشبه أحلامهم أكثر مما تشبه الواقع القائم. والنموذج المغربي منح هؤلاء الأشبال دليلا ملموسا على ديمقراطية المستديرة، وأن صعود المستضعفين من الأحياء الشعبية إلى قمة المجد العالمي لم يعد حكرا على أحد، وأن السحر الكروي يمكن أن يغادر الملاعب اللاتينية التقليدية ليحط الرحال في المغرب، مبرهنا على أن أحلام الهامش يمكنها قهر قوى المركز.
الرأسمال الأخلاقي وتقاطع الأنثروبولوجيا العائلية
لكن الظاهرة لا تتوقف عند حدود المنافسة الرياضية الجافة، فوفق قراءة جرموني، نجح المغرب في مراكمة “رأسمال رمزي وأخلاقي” ضخم يتجاوز بكثير القيمة الاقتصادية للاعبين والمجموعة. فالمنتخب لم يعد مجرد فريق كرة قدم، بل أصبح علامة عالمية ترتبط بالمثابرة، والانضباط، والتنوع الثقافي، وتمثيل إفريقيا والعالم العربي بصورة إيجابية تعكس روح التعايش والجسد الواحد تحت قيادة ملدرب يدير فريقه بثبات وانضباط وثقة.
هذا الرأسمال الأخلاقي تجلى بوضوح في طقوس جماعية غير مسبوقة، ففي مونديال 2022، لم تكن مشاهد احتفال اللاعبين مع أمهاتهم ونزولهن إلى الميدان مجرد لقطات عاطفية عابرة، بل شكلت حدثا ثقافيا وسابقة إنسانية في الذاكرة الكروية الحديثة، أعادت الاعتبار لقيم العائلة، والامتنان، والروابط الإنسانية الدافئة في فضاء رياضي يتعرض باستمرار لاتهامات بالبرودة التجارية والاحتراف المفرط.
ومن الناحية الأنثروبولوجية، يتقاطع هذا المشهد بعمق مع ثقافة شعوب أمريكا اللاتينية (كالمكسيك، الأرجنتين، والبرازيل)، وهي شعوب تمنح لمؤسسة العائلة، والحضور الروحي في الحياة العامة، والاحتفاء الجماعي الصاخب في الفضاء المفتوح مكانة مركزية، وتعيش على سحر كرة القدم وتتماهى معها. لهذا السبب تحديدا، يضيف جرموني، التقوا بسحرية وبراعة المغاربة، ووجد بعض البرازيليين أنفسهم في قصة المغرب في إطار تقارب ثقافي متخيل أحيا لديهم أبعادا إنسانية مألوفة وقريبة من وجدانهم.
الجماعات المتخيلة في زمن مجتمع الشبكات
يمتد هذا الاختراق الثقافي ليلامس بنية تشكيل الانتماءات في العصر الحديث. يحيلنا جرموني هنا إلى أطروحة المفكر بينديكت أندرسون حول “الجماعات المتخيلة”، وهي الجماعات التي تتشكل وتذوب داخلها الحدود السياسية والجغرافية للدولة الوطنية. فالمشجع الأجنبي الذي لا يحمل الجنسية المغربية، بات يشعر بانتماء وجداني وعضوي إلى قصة النجاح التي يجسدها المنتخب، كونه انتماء إلى معنى وقيمة أكثر منه انتماء إلى أرض أو عرق.
ولهذا لم يعد غريبا أن تعلن شخصيات سياسية، وإعلامية، وفنية عالمية، ومن عالم السينما دعمها للمغرب، مثل زهران ممداني عمدة نيويورك وزوجته، اللذين يمثلان جيلا جديدا يدير شريحة واسعة من كبريات المدن العالمية. فالأمر هنا لا يتعلق بنتيجة مباراة، بل بالرغبة في التماهي مع سردية أوسع ترتبط بالعدالة الرمزية، والتمثيل، والتشبث بالتعدد الثقافي وقضايا الهجرة الناجحة والاعتراف.
وفي زمن ما يسميه عالم الاجتماع مانويل كاستلز بمجتمع الشبكات، لم تعد الجغرافيا هي التي تحدد الهوية، بل السرديات التي تنتشر عبر الشاشات، حيث تحول الفيديو القصير، والوثائقي الرياضي، ومقاطع “تيك توك” المنتشرة عالميا إلى أدوات لإعادة تشكيل الانتماء، ليصبح الارتباط بالرمز مبنيا على قوة السردية الإنسانية الكامنة خلف الخيوط لا على حدود الخرائط.
القميص الوطني والمواطنة العابرة للحدود
تتويجا لهذا التحليل، يأخذنا جرموني إلى أطروحة بيير بورديو حول “الذوق والتمييز الرمزي” لتفسير تحول القميص الكروي إلى علامة ثقافية كبرى. فاللباس في الأنثروبولوجيا ليس مجرد قطعة قماش صماء لستر الجسد، بل هو أداة تعبير سياسية واجتماعية وهوياتية صامتة.
حين يختار طفل في “فافيلا” برازيلية أو صانع محتوى في ساحات نيويورك قميص المنتخب المغربي بنجمته الخضراء وشعاره، فهو لا يرتدي زيا رياضيا فحسب، إنه يعلن استقلالية ذوقه وفرادته الرمزية في عالم اعتاد فيه الجميع ارتداء قمصان البرازيل أو الأرجنتين بشكل نمطي. إنه يختار قصة، ويعلن انحيازه لقيم معينة، ليقول للعالم بصوت صامت: “أنا مع هذا النموذج الرياضي، أنا أؤمن بأن الهامش يستطيع أن يهزم المركز، وأنا أنتمي إلى قبيلة المؤمنين بإمكانات المعجزات والمستحيل”.
بهذا المعنى، يعد ارتداء الأجانب للقميص المغربي انتقالا من هوية وطنية ضيقة إلى فضاء أرحب يعكس “المواطنة الرياضية العالمية”. هكذا تحول المنتخب المغربي إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية كونية، ولم يعد قميصه مجرد قطعة قماش حمراء تتوسطها نجمة خضراء، بل غدا جواز سفر رمزي إلى شكل جديد من الانتماء، مواطنة لا تصنعها الجغرافيا، بل تصنعها السرديات الملهمة التي تمنح الشعوب أملا في أن العالم يمكن أن يكون أكثر عدلا، وأن كرة القدم ما زالت قادرة، بين حين وآخر، على إعادة توزيع الأحلام بالتساوي بين البشر.
تعليقات
0