قررت هيئة الحكم بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، برئاسة المستشار علي الطرشي، تخصيص الأسبوع المقبل للاستماع إلى الكلمة الأخيرة للمتهمين في ملف ما يعرف إعلاميا بـ”إسكوبار الصحراء”، في خطوة إجرائية حاسمة تسبق إدخال القضية إلى مرحلة المداولة تمهيدا للنطق بالحكم.
ويأتي هذا القرار بعد مسار قضائي استمر لأزيد من سنتين ونصف، تخللته جلسات مطولة ومرافعات متبادلة بين النيابة العامة وهيئات الدفاع وممثلي الأطراف المدنية، في ملف يتابع فيه عدد من المتهمين على خلفية وقائع واتهامات ثقيلة أثارت اهتماما واسعا لدى الرأي العام.
وخلال جلسة اليوم، الخميس، استهل المحامي محمد كروط دفاع البعيوي، مداخلته بالتطرق إلى مطالب إدارة الجمارك، معتبرا أن هناك إشكالا قانونيا يهم صفة الجهة التي تقدمت بالمطالب المدنية.
وأوضح كروط، أنه أدلى أمام المحكمة بقرار تفويض السلطة الصادر عن وزير المالية السابق محمد بوسعيد، غير أن الوضع المؤسساتي تغير بعد ذلك، حيث أصبحت نادية فتاح وزيرة للاقتصاد والمالية، كما تغير المسؤولون على رأس إدارة الجمارك.
وأضاف الدفاع أن الوثيقة التي تم الاستناد إليها تتعلق بتفويض نسبي للسلطة والاختصاص من مسؤول إلى آخر، متسائلا عن مدى استمرار مفعول هذا التفويض بعد تعاقب الحكومات والمسؤولين، مشيرا إلى أن وزيرة الاقتصاد والمالية الحالية لم يصدر عنها، بحسب ما جاء في مرافعته، أي تفويض جديد في هذا الشأن.
وأكد كروط، أن النيابة العامة استمعت إلى دفوع الدفاع واطلعت على الوثائق والخبرات المدلى بها، وأنه لا خلاف حول وجود تلك المستندات، غير أن الأصل، حسب قوله، هو أن تبني المحكمة قناعتها على ما راج أمامها خلال المناقشات القضائية، وهو ما يفرض، في نظره، إعادة النظر في بعض المعطيات التي لا تزال محل نزاع.
وفي السياق ذاته، أشار إلى وجود محضر لمفوض قضائي يوثق معطيات تم نشرها عبر قناتين رسميتين، مؤكدا أن هذا الجانب لا يثير أي نزاع. وشدد على أن عددا من الشهود الذين تم الاستماع إليهم أكدوا وقائع وتصريحات تصب، بحسبه، في مصلحة المتهمين.
واعتبر الدفاع، أن الملف يتضمن متابعات وصفها بـ”التقليدية”، منتقدا ما اعتبره استمرار الاعتماد على السوابق القضائية أو الصورة النمطية للأشخاص في بناء الاتهامات. وأردف أن محكمة النقض سبق أن أكدت أن السوابق لا يمكن أن تشكل أساسا للإدانة، معتبرا أن هذه الإشكالية حاضرة في الملف المعروض.
وفي معرض حديثه عن الحاج أحمد بن إبراهيم، قال كروط، إن هذا الأخير لا تربطه، حسب قوله، أي علاقة مباشرة بوقائع الاتجار في المخدرات كما تم تقديمها في الملف، بل يقدم نفسه كتاجر دولي، غير أن الدفاع اعتبر أن تصريحات المعني بالأمر شكلت أكثر ما أرهقه أثناء مناقشة الملف، بسبب ما وصفه بالتناقضات المتكررة في رواياته.
وأوضح كروط، أن الحاج أحمد بن إبراهيم، قدّم، في مراحل مختلفة، روايات متباينة حول وضعيته وممتلكاته وعلاقاته بالأطراف الأخرى، مشيرا إلى أنه انتقل، حسب تعبيره، من الحديث عن نفسه كشخص بسيط إلى تاجر مخدرات، ثم إلى مالك لشقق وعقارات، مع تقديم روايات مختلفة حول كيفية اقتنائها.
وأضاف الدفاع نفسه، أن المعني بالأمر كان يمثل أمام قاضي التحقيق بصفته طرفا مدنيا، ويؤدي اليمين في الوقت ذاته بصفته شاهدا، معتبرا أن هذا الوضع يطرح إشكالا يتعلق بتداخل الصفات وتضارب المواقع القانونية داخل الملف، وسجل أن بعض الشهادات تضمنت تناقضات جوهرية، مؤكدا أن “تناقض التصريحات من مبطلات الحجية”.
وفي رده على موقف النيابة العامة من محاضر الضابطة القضائية، أكد كروط، أنه لا ينازع في خصوصية هذه المحاضر وحجيتها القانونية، غير أنه شدد على ضرورة أن تكون منسجمة وغير متناقضة، مضيفا أن النيابة العامة نفسها طعنت في بعض الوثائق والأدلة التي قدمها الدفاع واعتبرتها غير ذات قيمة، وتساءل: عن معيار التعامل مع مختلف وسائل الإثبات داخل الملف.
واستحضر الدفاع ما وصفه بكتاب سري سبق أن أشار إليه الوكيل العام للملك، ويتضمن توجيهات بضرورة التدقيق والتحقق من تصريحات الحاج أحمد بن إبراهيم، معتبرا أن مجرد صدور مثل هذه التعليمات يشكل، في نظره، مؤشرا على أن أقوال المعني بالأمر لم تكن دقيقة بالقدر الكافي وتحتاج إلى المزيد من التمحيص.
وأضاف أن النيابة العامة لم تباشر، بحسب قوله، أي إجراءات إضافية بعد ذلك الأمر، متسائلا عن أسباب الاكتفاء بالمعطيات المتوفرة دون استكمال البحث في بعض النقاط المثارة.
وفي مقابل ذلك، دعا الدفاع إلى التعامل بالمنطق نفسه مع محاضر الضابطة القضائية المتعلقة بالأشخاص الذين تم توقيفهم في قضايا التهريب الدولي للمخدرات، والذين قدموا اعترافات مفصلة حول الوقائع المنسوبة إليهم، موضحا أن أصحاب الشاحنات والمقطورات “الرموكات” أقروا بملكيتهم لها وبعلاقتها بالشحنات المحجوزة. واعتبر أن تلك التصريحات تتضمن، وفق قراءته، عناصر براءة لفائدة المتابعين في الملف الحالي، خصوصا فيما يتعلق بوقائع سنة 2015.
وأشار دفاع البعيوي، إلى أن المصالح الأمنية التي باشرت الأبحاث سنة 2015 لم تعثر، حسب قوله، على أي معاملة أو رابط مباشر يربط موكله بالوقائع موضوع تلك الشحنة، مستحضرا تصريحات “زنطاط” الذي أكد، بعد أدائه اليمين أمام المحكمة، أن المقطورات المعنية كانت في حالة مهترئة، وأن مالكها شخص آخر غير المتهمين الحاليين.
وعاد كروط إلى الحديث عن المحاضر التقنية المنجزة من طرف ضباط متخصصين، معتبرا أن النيابة العامة نفسها منحت لهذه الوثائق حجية خاصة عندما أكدت عدم وجود أي تزوير فيها. لافتا النظر إلى محضر تقني أنجزه أحد ضباط الفرقة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة، ويتعلق بمعطيات تقنية تخص إحدى الشاحنات من نوع “مان”.
وأكد الدفاع أن الطعن في مثل هذه المحاضر لا يمكن أن يتم إلا عبر مسطرة الزور، بالنظر إلى طبيعتها التقنية وصدورها عن جهة مختصة، مضيفا أن أي مناقشة لمضمونها يجب أن تستند إلى خبرة تقنية مضادة وليس إلى مجرد التأويل.
ودعا كروط إلى الأخذ بعين الاعتبار الشهادات المضمنة في بعض المحاضر والتي تشير، حسب قوله، إلى أن الأشخاص الحقيقيين المرتبطين بشحنة سنة 2015 معروفون ومحددون، ولا علاقة لسعيد الناصيري أو عبد النبي البعيوي بها.
وفي الشق المالي، انتقد الدفاع ما اعتبره غياب أي مناقشة جدية لمصادر الأموال الخاصة بموكله، مشيرا إلى أن النيابة العامة لم تستفسره بشأن تفسير تلك المبالغ رغم تقديم وثائق وتحويلات مالية ومستندات رسمية تثبت مصدرها.
وأكد الدفاع أنه تم الإدلاء بوثائق صادرة عن المديرية العامة للضرائب تتضمن أرقام معاملات شركات موكله خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2023، كما قدم شهادات ومستخرجات من المحكمة التجارية بوجدة، ووثائق تحمل رموز تحقق إلكترونية (QR Code)، إضافة إلى شهادات صادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تثبت أداء مستحقات الأجراء.
وتابع الدفاع أنه قدم عقود تأمين ضد المخاطر المهنية بقيمة مالية مهمة، إلى جانب وثائق تتعلق بضمانات بنكية مرتبطة بصفقات عمومية ممولة من مؤسسات بنكية معروفة، مدليا بوثائق صادرة عن مكتب محاسباتي تؤكد، بحسب قوله، أن مداخيل شركات موكله مصدرها الصفقات العمومية المنجزة مع مؤسسات الدولة.
وفي ختام مرافعته، التمس الأستاذ كروط من الهيئة القضائية التصريح ببراءة موكله عبد النبي البعيوي، معتبرا أن الوثائق الرسمية والمعطيات المالية والإدارية المدلى بها أمام المحكمة تؤكد مشروعية أنشطته الاقتصادية وتفند الاتهامات الموجهة إليه.
تعليقات
0