شهدت جلسة محاكمة المتابعين في ملف ما يعرف إعلاميا بـ”إسكوبار الصحراء” تعقيبا مطولا للنيابة العامة على مرافعات هيئة الدفاع، حيث دافع ممثل الحق العام عن الأسس القانونية والواقعية التي بنيت عليها المتابعات، مؤكدا أن الملف يتضمن أدلة متعددة ومترابطة تتجاوز مجرد التصريحات، وأن محاضر الضابطة القضائية شكلت إحدى الركائز الأساسية التي استندت إليها النيابة العامة في تكوين قناعتها.
واستهل ممثل النيابة العامة مرافعته بالتأكيد على أن مناقشة الملف ارتكزت على ثلاثة مستويات أساسية، أولها ما راج خلال جلسات المحاكمة العلنية، وثانيها ما تضمنته استنطاقات المتهمين والشهود أمام قاضي التحقيق، وثالثها ما ورد في محاضر الضابطة القضائية التي وصفها بأنها “نموذج يحتذى به في إنجاز الأبحاث القضائية”.
وأوضح أن النيابة العامة استحضرت كذلك ما راج أمامها خلال مرحلة البحث التمهيدي وقبل إحالة الملف على قاضي التحقيق، معتبرا أن الاستناد إلى التصريحات والإقرارات المدونة بمحاضر الشرطة القضائية لم يكن اختيارا اعتباطيا، وإنما فرضته طبيعة القضية والمعطيات التي أفرزتها الأبحاث.
وأكد ممثل الحق العام أن المشرع المغربي منح لمحاضر الضابطة القضائية قيمة قانونية خاصة، مبرزا أن الإقرارات الواردة فيها تشكل حجة على من صدرت عنه، ويمكن اعتمادها ليس فقط لإثبات الجنح، بل حتى لإثبات الجنايات، مستشهدا في هذا السياق بعدد من قرارات محكمة النقض التي كرست هذا التوجه القضائي وأقرت بإمكانية الاعتماد على هذه المحاضر كأساس للإدانة متى كانت مستوفية للشروط القانونية.
وتوقف ممثل النيابة العامة عند المحاضر المنجزة من طرف ضباط الشرطة القضائية والمتعلقة بالمعاينات والحجوزات والتفتيشات والإجراءات التقنية، مؤكداً أن لهذه الوثائق حجية قانونية خاصة لا يمكن دحضها بمجرد الإنكار أو الادعاء، وإنما لا سبيل للطعن في مضامينها إلا عبر مسطرة الزور، إذا أريد إثبات عكس ما ورد فيها.
وأكد أن ملف النازلة لا يقوم على مجرد انطباعات أو استنتاجات شخصية، بل يستند إلى أدلة متعددة ومتقاطعة، يأتي في مقدمتها الدليل العلمي والتقني. وأوضح أن النيابة العامة سبق أن فصلت في مضمونه خلال مرافعاتها السابقة، مذكراً بما تضمنه من معطيات مرتبطة بالمكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية وتحديد المواقع الجغرافية، معتبراً أن هذا النوع من الأدلة يستند إلى أسس علمية دقيقة لا يعتريها الشك أو التأويل.
وأضاف ممثل الحق العام أن محاضر الضابطة القضائية لم تبق معزولة عن باقي عناصر الإثبات، بل عززتها وسائل إثبات أخرى مستقلة، فبعد إحالة المحاضر على النيابة العامة، أقر عدد من المتهمين أمامها بصحة ما ورد فيها، كما اعترف بعضهم بالأفعال المنسوبة إليهم، فضلاً عن اعترافات أخرى، كلية أو جزئية، صدرت أمام قاضي التحقيق أو خلال جلسات المحاكمة، مشددا على أن اعتماد النيابة العامة على محاضر الضابطة القضائية لا يشكل أي انتقاص من قيمة مرافعتها ولا من قوتها القانونية، مؤكداً أن استبعاد هذه المحاضر لا يمكن أن يتم إلا استناداً إلى أسباب قانونية جدية ومقبولة.
وانتقل النائب العام بعد ذلك إلى مناقشة بعض الدفوع القانونية المثارة من طرف الدفاع، مشيراً إلى ما وصفه بـ”التحدي” الذي تم رفعه بشأن الاستشهاد بالحاج بن إبراهيم، وما إذا كانت النيابة العامة تفتقر إلى وسائل الإثبات، مؤأكدا أن الملف يتضمن من وسائل الإثبات ما يفوق الحد الأدنى المطلوب قانوناً، مبرزاً أن الحاج بن إبراهيم تم الاستماع إليه كشاهد، وأن الاجتهاد القضائي مستقر على ضرورة الأخذ بشهادات الشهود وفق الضوابط القانونية.
وبخصوص الدفع بالتقادم في الجرائم المرتبطة بالمخدرات وقانون الصرف، أكد ممثل النيابة العامة أن هذا الدفع لا أساس له في النازلة الحالية، موضحًا أن مقتضيات المادة 06 المتعلقة بالتقادم تخص الأشخاص الذين لم تشملهم المتابعة أو المحاكمة أو البحث، وهو ما لا ينطبق على الوقائع المعروضة على المحكمة، مشيرا إلى أن أحمد بن إبراهيم سبق أن صدرت في حقه أحكام ابتدائية واستئنافية، كما صدر قرار عن محكمة النقض بشأنه، وهو ما يكفي قانوناً لقطع التقادم.
وأضاف أن هناك وقائع أخرى مستقلة تشكل بدورها أسباباً قاطعة للتقادم، من بينها عمليات حجز كميات من المخدرات ومبالغ مالية ومحجوزات أخرى خلال سنة 2020، الأمر الذي يجعل الحديث عن التقادم في هذه القضية غير ذي موضوع.
أما فيما يتعلق بجنح الصرف، فأوضح النائب العام أن محكمة النقض سبق أن حسمت هذه المسألة في قرارات جنائية، معتبرة أن عمليات تحويل الأموال للخارج تعد جرائم مستمرة لا يبدأ احتساب التقادم بشأنها إلا من تاريخ استرجاع الأموال إلى موطنها الأصلي أو استخلاصها بشكل نهائي.
وعن مسألة المصادرة التي اعتبر الدفاع أنها التمست في غير محلها، أوضح الوكيل العام أن الفصل 42 من القانون الجنائي يجيز المصادرة ليس فقط لعائدات تجارة المخدرات، وإنما كذلك للعقارات والأموال المرتبطة بالأفعال الإجرامية متى توفرت الشروط القانونية لذلك.
وفي ما يخص جنحة تزوير الوكالتين والدفع بشمولها بالتقادم، أوضح ممثل النيابة العامة أن القرار الصادر عن محكمة وجدة لم يؤسس على التقادم فيما يتعلق باستعمال الوثيقة المزورة لإنجاز عقد رسمي، مؤكداً أن استعمال وثيقة مزورة في محرر رسمي يظل فعلاً قائماً بذاته ولا يسقط بالتقادم وفق الاجتهاد القضائي الذي استشهد به، مضيفا أن اعتماد الوكالتين المزورتين تم بشكل يقيني لإنجاز رسم توثيقي، وهو ما يثبت عنصر الزور بشكل قاطع.
وبخصوص جريمتي الإرشاء والارتشاء وما أثير حول مبلغ الرشوة والاختصاص القيمي، أحال ممثل الحق العام المحكمة على تصريحات سليمان حجي، التي أكدها أمام النيابة العامة، حيث اعترف بتسليم مبلغ مالي على سبيل الرشوة لحراس الحدود، محدداً قيمته ومكان تسليمه وتاريخه وحتى هوية الشخص الذي تسلمه.
وفي معرض رده على الدفوع المرتبطة بالزور المعنوي، اعتبر ممثل النيابة العامة أن هذا الدفع غير مؤسس، موضحاً أنه لا يحتاج إلى “رحلة حول العالم” لإثبات هذا النوع من التزوير، ما دام الاجتهاد القضائي المغربي حسم فيه بقرارات تنطبق وقائعها بشكل كبير على وقائع الملف الحالي، مؤكدا أكد أن الزور المعنوي قائم متى تم تضمين وقائع يعلم أصحابها مسبقاً عدم صحتها، مشيراً إلى أن الفقه والاجتهاد القضائي يعتبران هذا النوع من الزور أحد أبرز صور الاصطناع والتزوير.
كما تطرق ممثل النيابة العامة إلى ما أثاره الدفاع بشأن معاملات شراء العقارات، مذكراً بأن القاعدة القانونية تقضي بضرورة إبرام عقود البيع في شكل رسمي، متسائلا في هذا الإطار عن الكيفية التي اقتنى بها الحاج بن إبراهيم عقاراً بموجب عقد عرفي، في الوقت الذي يدفع فيه الدفاع بأن سعيد الناصيري اقتنى العقار نفسه بموجب ورقة مكتوبة بخط اليد لا يعرف محررها، ولا تتضمن أي إشهاد أو تصحيح إمضاء أو مؤشرات قانونية تؤكد صحتها.
وأضاف النائب العام أن ثمن الفيلا قيل إنه تم بواسطة تلك الورقة وشيكات بنكية، غير أن البحث أظهر أن الشيكات تعود لشركة لم يعد للناصيري أي ارتباط بها منذ سنة 2007، وفي المقابل، تمسك الدفاع بكون الشركة ما زالت قائمة قانونياً وأن المتهم ظل مسيراً لها، مستدلاً بشهادات بنكية وتحويلات مالية تمت بعد ذلك التاريخ.
وبهصوص ذلم ، أوضح ممثل النيابة العامة أن الأمر يتعلق في الواقع بأكثر من شركة تحمل اسماً متشابهاً ضمن مجموعة “أكاب بروموسيون”، وأن الشركة التي صدرت عنها الشيكات لم تعد تربطها أي علاقة بالناصيري، في حين أن الشركة التي ظل يسيرها هي شركة أخرى مختلفة من حيث التسمية والهوية القانونية، مستدلاً بالسجلين التجاريين لكل شركة لإبراز الفوارق القائمة بينهما.
من جهة أخرى، تطرق ممثل الحق العام إلى الوثائق المرتبطة بالماء والكهرباء، موضحاً أن أحد الوصولات يحمل اسم أحمد بن إبراهيم ويتضمن مبلغاً يقارب 16 ألف درهم، مورداً على ما أثير بخصوص طريقة كتابة التاريخ في الفاتورة، موضحا أن التاريخ الذي استند إليه الدفاع لا يتعلق بتاريخ تحرير الوثيقة، وإنما بتاريخ إرسالها من شخص إلى آخر، وهو ما يظهر بوضوح من خلال بيانات الإرسال وعدد الوثائق المرفقة.
وفي ما يتعلق بالدليل العلمي المرتبط بتحديد المواقع الجغرافية، أوضح ممثل الحق العام أن المعطيات التقنية الخاصة بتاريخ 17 دجنبر 2016 تفيد بأن المعني بالأمر كان متواجداً بفيلا الفنانة لطيفة رأفت، والتقى بالحاج بن إبراهيم، معتبرا أن ما اثاره دفاعه من تبرير وجودهوقي ذلك المكان بالقول إنه كان بالبرلمان وقد تبضع من متجر “سفاري” لا ينسجم مع المعطيات التقنية، إذ أظهر البحث أن المتجر يوجد بمنطقة أكدال، في حين أن بيانات اللاقط الهوائي سجلت وجوده بحي الرياض، كما أن مقر البرلمان يوجد بوسط المدينة وليس بحي الرياض، فضلاً عن وجود إشهاد بنكي يثبت أداء مبلغ لفائدة فندق حياة ريجنسي في اليوم نفسه، مشيرا أنه لاةوجود فندق حياة ريجنسي بالرباط في ذلك التاريخ لا قبله ولا بعده ولا الأن.
وفي ختام تعقيبه، انتقد ممثل النيابة العامة وثيقة أدلى بها الدفاع عبارة عن صورة من جريدة أسبوعية موريتانية، معتبراً أن إدراجها في الملف لم يكن له أي مبرر قانوني، مضيفا أن مضمون الوثيقة يمس بقضايا حساسة مرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة، لكون عنوانها يتحدث عن اعتقال شخص رفقة “جندي صحراوي سابق”، بما يوحي بوجود كيان وجيش نظامي منفصل، كما تتضمن، بحسب قوله، إشارات إلى شركة الحاج بن إبراهيم وإلى امتلاكه شركة قابضة بالرباط، بما يحمل إيحاءات تربط العاصمة المغربية بعائدات الاتجار في المخدرات.
واعتبر ممثل الحق العام أن هذه الوثيقة لا علاقة لها بموضوع المتابعة، ملتمساً من المحكمة استبعادها من الملف، قبل أن يختتم مرافعته بالاستشهاد بقوله تعالى: “وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”، مؤكدا الادانة لجميع المتهمين.
تعليقات
0