خصصت جلسات Technovation 2026، التي جمعت نخبة من العلماء، والمهنيين في القطاع الصحي، والباحثين، وصناع القرار، وممثلي القطاع الصناعي، حيزا واسعا لاستعراض أحدث التطورات العلمية في مجال الحد من المخاطر المرتبطة بالتدخين. ومن خلال سلسلة من المحاضرات والنقاشات والجلسات الحوارية، سلط الحدث الضوء على أهمية البحث، والحوار العلمي، ونشر المعلومات المستندة إلى البراهين العلمية، بما يسهم في دعم السياسات الصحية العمومية.
ومن بين أبرز الجلسات البيداغوجية، نظمت جلسة حوارية جمعت بين الدكتورة “توموكو إيدا”، مديرة التواصل العلمي لمنطقة جنوب وجنوب شرق آسيا، ورابطة الدول المستقلة، والشرق الأوسط وإفريقيا بشركة فيليب موريس إنترناشيونال ) الإمارات العربية المتحدة)، والبروفيسور “دافيد خياط”، بروفيسور علم الأورام بجامعة “بيير وماري كوري”. وركزت الجلسة على تصحيح عدد من المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالنيكوتين، وشرح الآليات المسؤولة عن الأمراض الناجمة عن التدخين، إلى جانب توضيح الدور الذي يمكن أن تؤديه البدائل الخالية من الاحتراق ضمن استراتيجيات الحد من مخاطر التدخين.
الاحتراق… السبب الرئيسي للأمراض المرتبطة بالتدخين
استهلت الدكتورة “توموكو إيدا” الجلسة بدعوة الحضور إلى المشاركة في اختبار تفاعلي لقياس مستوى معرفتهم بالنيكوتين، قبل أن تتناول أولى المفاهيم الشائعة المتعلقة بالمسبب الرئيسي للأمراض المرتبطة بالتدخين.
وأكدت أن الاعتقاد السائد الذي يرجع هذه الأمراض إلى النيكوتين ليس دقيقا، موضحة أن الاحتراق هو العامل الرئيسي المسؤول عن الأضرار الصحية المرتبطة بالتدخين. فعند احتراق أوراق التبغ، تنبعث آلاف المواد الكيميائية، ويصنف عدد كبير منها ضمن المواد الضارة بالصحة. ولهذا السبب، تضيف “إيدا” تسعى المنتجات الخالية من الدخان إلى التخلص من عملية الاحتراق باعتبارها المصدر الأساسي لهذه المواد.
النيكوتين… مادة مسببة للإدمان لكنها ليست مسرطنة
وفي الجزء الثاني من مداخلتها، تناولت الدكتورة “توموكو إيدا” أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعا بشأن النيكوتين.
وأوضحت أنه، رغم أن النيكوتين يعد مادة مسببة للإدمان ولا يخلو من المخاطر، فإنه لا يصنف كمادة مسرطنة. واستندت في ذلك إلى مواقف عدد من مؤسسات الصحة العامة الدولية، إضافة إلى أبحاث المركز الدولي لبحوث السرطان (CIRC/IARC)، الذي لا يدرج النيكوتين ضمن قائمة المواد المسببة للسرطان.
كما أشارت إلى أن هذا الخلط بين النيكوتين والمواد المسرطنة لا يزال واسع الانتشار، ولا يقتصر على عامة الناس، بل يشمل أيضا بعض المهنيين العاملين في القطاع الصحي.
ما دور النيكوتين؟
إلى جانب طبيعته الإدمانية، شرحت الدكتورة “توموكو إيدا” آلية عمل النيكوتين داخل جسم الإنسان.
وأوضحت أن النيكوتين يرتبط بمستقبلات معينة في الدماغ، مما يحفز إفراز عدد من النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج والانتباه والذاكرة. واعتبرت أن هذه التأثيرات تفسر، جزئيا، استمرار العديد من المستهلكين في استخدام المنتجات المحتوية على النيكوتين، إلى جانب عوامل أخرى، من بينها المذاق، والعادات الاجتماعية، والسلوك المرتبط بالتدخين.
ولتوضيح هذا التمييز، قارنت الدكتورة “توموكو إيدا” النيكوتين بالكافيين، الذي يؤثر بدوره في الجهاز العصبي، لكنه لا يؤثر في القدرات الإدراكية بالطريقة نفسها التي يؤثر بها الكحول.
النيكوتين في صلب استراتيجية الحد من المخاطر
ثم تناولت الدكتورة “توموكو إيدا” دور النيكوتين في إطار أوسع يتعلق باستراتيجية الحد من المخاطر المرتبطة بالتدخين.
وأكدت أن نجاح هذه المقاربة يستند إلى شرطين أساسيين:
• توفير منتجات أثبتت الأدلة العلمية أنها أقل ضررا من السجائر التقليدية؛
• طرح منتجات تحظى بقدر كاف من القبول لدى المدخنين البالغين، بما يشجعهم على استبدال السجائر بها فعليا.
وأشارت إلى أن أكثر من 43 مليون مدخن بالغ في 108 دولة اعتمدوا بالفعل منتجات خالية من الاحتراق، معتبرة أن هذا الرقم يعكس مستوى تقبل هذه البدائل.
نموذج اليابان والسويد
ولإبراز النتائج المسجلة على أرض الواقع، استعرضت الدكتورة “توموكو إيدا” تجربتي اليابان والسويد.
ففي اليابان، حيث طرحت منتجات التبغ المُسخّن قبل نحو عشر سنوات، أوضحت أن الإقبال المتزايد عليها أسهم تدريجيا في إحلالها محل جزء مهم من استهلاك السجائر التقليدية. وأضافت أن معدل انتشار التدخين انخفض، من نحو 20 في المائة إلى ما يقارب 10 في المائة خلال هذه الفترة.
كما تطرقت إلى تجربة السويد، حيث انتشر استخدام المنتجات الفموية الخالية من الاحتراق منذ عدة عقود، معتبرة أن هذا المسار التاريخي أتاح اليوم ملاحظة تراجع في معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتدخين، ولا سيما في صفوف الرجال.
البروفيسور دافيد خياط: الوقاية تظل الأولوية القصوى
وتناول البروفيسور “دافيد خياط” في مداخلته، الموضوع من منظور أشمل للصحة العامة.
وبعد استعراض مسيرته المهنية التي كرسها لمكافحة السرطان، سلط الضوء على حجم هذا المرض على الصعيد العالمي، مشيرا إلى أن السرطان يعد اليوم أحد أبرز أسباب الوفاة، ويمثل تحديا كبيرا لأنظمة الرعاية الصحية والاقتصادات على حد سواء.
وفي مواجهة هذا الواقع، شدد على رسالة أساسية مفادها أن الوقاية تظل الوسيلة الأكثر فعالية للحد، بشكل مستدام، من معدلات الإصابة بالسرطان.
الإقلاع عن التدخين السبب الأول للوقاية من السرطان
واستنادا إلى المعطيات الدولية، ذكر البروفيسور “خياط” بأن التدخين لا يزال السبب الأول القابل للوقاية من الإصابة بالسرطان على مستوى العالم.
كما استعرض السياسات التي اعتمدت لمكافحة التدخين خلال العقود الماضية، من قبيل رفع أسعار منتجات التبغ، واعتماد التحذيرات الصحية، وفرض قيود على الإشهار، معتبرا أنه، رغم ما حققته هذه الإجراءات من نتائج، فإنها لم تنجح في القضاء بشكل مستدام على التدخين، بسبب الاعتماد الذي يسببه النيكوتين.
وأضاف أن العديد من المدخنين لا يبحثون عن السيجارة في حد ذاتها، وإنما عن النيكوتين الذي تحتويه.
فهم أسباب الإصابة بالسرطان
وسعى البروفيسور “خياط” أيضا إلى تصحيح إحدى الأفكار الشائعة، والمتمثلة في الاعتقاد بأن معظم أنواع السرطان ذات منشأ جيني وراثي.
وأوضح أن نسبة محدودة فقط من حالات السرطان تعود إلى عوامل وراثية، في حين أن الغالبية العظمى تنتج عن طفرات تكتسب خلال حياة الإنسان بفعل عوامل بيئية وسلوكية.
وفيما يتعلق بالتدخين، أشار إلى أن هذه الطفرات تنجم عن المواد الناتجة عن احتراق التبغ، والذي يولد آلاف المركبات الكيميائية، من بينها عدد كبير من المواد المصنفة على أنها مسرطنة.
العلاقة بين مستوى التعرض ومخاطر الإصابة
أوضح البروفيسور “دافيد خياط” أن خطر الإصابة بالسرطان يزداد بارتفاع مستوى التعرض للمواد المسرطنة، سواء من حيث الكمية المستهلكة أو مدة التعرض لها.
ولشرح هذا المبدأ، المعروف بـ “العلاقة بين الجرعة والاستجابة”، استشهد بعدة أمثلة، منها التعرض لأشعة الشمس، والإشعاعات، واستهلاك اللحوم المصنعة، مبرزا أن هذه الآلية تنطبق على العديد من عوامل الخطر، وليس على التدخين وحده.
لماذا لا يسبب النيكوتين السرطان؟
وعودة إلى موضوع النيكوتين، أكد البروفيسور “دافيد خياط” ما سبق أن أوضحته الدكتورة “توموكو إيدا.” وأوضح أن مصدر اللبس يكمن في أن المدخنين يبحثون عن النيكوتين، في حين أن الإصابة بالسرطان تنتج عن الدخان المتولد عن احتراق التبغ.
ولتوضيح هذه الفكرة، أشار إلى أن الأطباء يصفون، منذ عدة عقود، بدائل النيكوتين، مثل العلكة واللصقات، دون أن تُصنف هذه المنتجات على أنها مواد مسببة للسرطان.
النقاش مع الحضور
أتاحت جلسة الأسئلة والأجوبة الفرصة للتطرق إلى عدد من الاستفسارات التي طرحها الجمهور الحاضر.
وفي هذا السياق، عاد البروفيسور “خياط” إلى المعطيات المتوفرة بشأن الآثار طويلة الأمد للمنتجات الخالية من الاحتراق، مستندا مرة أخرى إلى التجربة السويدية.
وردا على سؤال حول مساهمة النيكوتين في خطر الإصابة بالسرطان، أكد بشكل قاطع أنه، وفقا للمعارف العلمية المتاحة حاليا، لا يعد النيكوتين مادة مسرطنة.
كما تناولت النقاشات الجدل القائم داخل الأوساط العلمية، ومسألة الثقة في الابتكارات التي تطورها صناعة التبغ، إلى جانب المنتجات التقليدية المستهلكة في بعض بلدان شمال إفريقيا، مثل “الكالا” و”الشمّة”.
واعتبر البروفيسور أن استبدال منتجات التبغ القابلة للاحتراق أو أشكال التبغ التقليدية ببدائل خالية من الاحتراق يمكن أن يسهم في الحد من التعرض للمواد المسرطنة.
رسالة للوقاية
وفي ختام الجلسة، جدد المتدخلان التأكيد على أن الخيار الأفضل يظل عدم البدء في التدخين أو الإقلاع عنه نهائيا.
أما بالنسبة للبالغين الذين يواصلون التدخين، فقد قدما المنتجات الخالية من الاحتراق باعتبارها مقاربة للحد من المخاطر تستند إلى المعارف العلمية المتوفرة حاليا.
وعندما طلب من البروفيسور “دافيد خياط” أن يختتم الجلسة بجملة واحدة، وجه رسالة واضحة ومباشرة قائلا: “لا تدخنوا.”
تعليقات
0