صدر حديثاً للباحث المغربي سفيان البرَّاق دراسة نقدية كنَّاها بعنوان: “هاجسُ التحديث في الأدب: دراسةٌ في النصوص الأدبية لعبد الله العروي”، وقد اتخذت هذه الدراسة من تقاطع الفلسفي والروائي في المشروع النَّقدي-الأدبي لعبد الله العروي مرتكزًا لها. وفي بحثٍ ينبسطُ على مساحة 142 صفحة، صدر عن دار خطوط وظلال (الأردن)، يفكك البراق تلك الوشائج المضمرة والمستترة التي تربط المتون الفكرية والنقدية للعروي المتَّسمة بالاتساق المنهجي واللغة المكثَّفة والاستطرادات الوفيرة التي تعكس موسوعيته بنصوصه التخييلية التي مكَّنته من التعبير عما يخالجه بكلِّ أريحية حيث احتمى بأحابيل اللغة وتوارى خلف الرمزية والتلميح واستند إلى التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب لصياغة معمار سرديٍّ متين. وهذا البحث هو تأكيد ظاهرٌ على أن الأدب في تجربة العروي هو ممر سيادي للكشف عن قضايا الواقع الاجتماعي وتعرية هموم المجتمع.
ويدافع هذا البحث، الذي وضع الناقد المغربي نور الدين صدوق تقديمًا له، عن أن روايات العروي الست (أوراق، الغربة، اليتيم، الفريق، غيلة، والآفة) ورباعيته الشهيرة “خواطر الصباح”، تمثل امتداداً حيوياً لجملة من القضايا التي أخذت تفكيره في مشروعه النقدي منذ مؤلفه العاصف: “الإيديولوجيا العربية المعاصرة”؛ حيث رسمت قضايا: الحداثة، والعتاقة، صدام الأنا والآخر، تناحر الأحزاب والجمعيات مع السلطة، وأزمة التربية المرتبطة بـ “ثقافة الأم” ملامح رواياته ورباعية الخواطر ونص “رجل الذكرى” (مسرحية). ويتكون الكِتاب من فصلين اثنين؛ أفرد الفصل الأول للكشف عن الجماليات السردية؛ مقتفياً الطريقة التي اجترح بها العروي شخوصه الروائية بعناية فائقة، ومنقباً في خصوصية لغته المتفردة، فضلا عن محاولة تقصي التقنيات الحداثية التي اعتمدها المفكر المغربي في تشييد فضاءاته المكانية بحسبانها مسارح شاهدة على توتر الأحداث وتدافع القيم. أما الفصل الثاني، فقد دار حول استجلاء التقاطعات البنيوية بين الإعضالات الفكرية والسياسية التي شغلت العروي المنظر، وبين نصوصه الإبداعية التي تنضح بالهموم ذاتها.
وفي ملمح نقدي لافت، يتوقف الباحث سفيان البراق، الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، في هذا الكتاب عند المفارقة بين إنكار العروي المتكرر لنعت: الفيلسوف وبين إقراره في مؤلفه الأخير “الفلسفة والتاريخ” بالسير على وترين اثنين هما: الفلسفة والتاريخ؛ ليخلص البراق إلى أن صاحب “أوراق” يمثل النموذج الأسطع للمثقف الذي زاوج بين حقلين شاسعين (التاريخ والفلسفة) في الثقافة العربية المعاصرة، محولاً، بذلك، التخييل والرمز إلى أدوات نقدية تناهض التقليد وتنتصر للتحديث.
سفيان البراق يصدر “هاجس التحديث في الأدب”: دراسة في نصوص عبد الله العروي
تعليقات
0