من خريبكة إلى الرصيف أمام ابن رشد.. عندما يصبح المريض ضحية مرتين

من خريبكة إلى الرصيف أمام ابن رشد.. عندما يصبح المريض ضحية مرتين

لم يكن شاب، ضحية حادثة سير بين دراجتين ناريتين  بمدينة خريبكة، يتوقع أن تتحول رحلة البحث عن العلاج إلى مسلسل من المعاناة انتهى به ممددًا على الرصيف أمام المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، في مشهد أثار موجة واسعة من الاستياء، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول ظروف استقبال المرضى ومدى توفر الإمكانيات الأساسية داخل أكبر مؤسسة استشفائية جامعية بالمملكة.

 

 

وبحسب رواية أسرة الشاب، فقد بدأت المعاناة عندما أكدت المصالح الصحية بخريبكة عدم توفر الإمكانيات الضرورية للتكفل بحالته، ما استدعى نقله على متن السرعة بسيارة إسعاف إلى الدار البيضاء، في رحلة كلفت والدته حوالي 1500 درهم، أملاً في إنقاذ ساقه وتلقي العلاج اللازم.

 

 

وبالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، خضع الشاب لعملية جراحية تم خلالها تثبيت ساقه بواسطة صفائح ومسامير حديدية، بعدما كانت الإصابة تستدعي تدخلاً عاجلاً للحفاظ على الطرف المصاب، غير أن الأسرة تؤكد أنه غادر المستشفى في اليوم الموالي للعملية، قبل أن تتدهور حالته الصحية بعد نحو أسبوع، حيث ارتفعت درجة حرارته، وانتفخت ساقه، وبدأ الجرح يتعفن، مصحوبًا بانبعاث روائح كريهة من رجله.

 

 

وأمام هذا الوضع، نقلته والدته إلى المستشفى الإقليمي بخريبكة، غير أن الأطباء، وفق روايتها، رفضوا التكفل به، معتبرين أن علاجه يجب أن يتم بالمؤسسة التي أجريت بها العملية الجراحية، ليتم توجيهه من جديد إلى مستشفى ابن رشد.

 

 

وحسب رواية الأم، فإن رحلة العودة لم تكن أقل قسوة من سابقتها. فبمجرد وصولها إلى قسم المستعجلات، ناشدت الأطر الصحية تغيير الضمادات وتنظيف الجرح الذي ازدادت حالته سوءًا، غير أنها فوجئت، بحسب قولها، بإبلاغها بعدم توفر قسم المستعجلات على الوسائل والمعدات والمواد المعقمة اللازمة للتكفل بالحالة، وأن هذه العملية خارج مهامهم، ليظل ابنها لساعات طويلة دون تدخل.

 

 

وتضيف الأم أن إصرارها مكنها في نهاية المطاف من إدخال ابنها إلى قسم التعفنات، الذي أحاله بدوره على قسم جراحة العظام، حيث حدد له موعد للمراجعة يوم الثلاثاء، رغم أنه وصل إلى المستشفى منذ يوم الجمعة، وهو ما يعني، بحسب الأسرة، انتظار عدة أيام إضافية وساقه في حالة تعفن، دون تغيير للضمادات أو تقديم العلاج الذي يحتاجه بشكل مستعجل.

 

 

ولأن الأسرة لا تتوفر على الإمكانيات المالية لإعادة نقله إلى خريبكة عبر سيارة إسعاف، لم تجد الأم سوى المبيت إلى جانب ابنها داخل فضاء المستعجلات، قبل أن ينتهي بهما الأمر، لكن عند عودتها يوم الثلاثاء، لم تجد ولا حمالة واحدة تنقل ابنها من باب المستشفى إلى قسم العظام، و انتهى به الامر خارج المؤسسة الصحية، حيث وثقت صور متداولة الشاب ممددًا على الرصيف، في مشهد وصفه متابعون بأنه لا يليق بكرامة مريض يقصد مؤسسة استشفائية طلبًا للعلاج.

 

 

وتثير هذه الواقعة، جملة من التساؤلات التي تستوجب توضيحات من الجهات الصحية المعنية. فكيف يمكن لمريض خضع لتدخل جراحي ويعاني مضاعفات خطيرة أن يجد نفسه مفترشًا الأرض أمام المستشفى؟ وكيف يعجز أكبر مركز استشفائي جامعي بالمملكة عن توفير حمالة أو سرير لمصاب لا يقوى على الوقوف، في وقت تتحدث فيه معطيات متداولة عن وجود تجهيزات، من بينها حمالات وأسرة و”ماتيريال” جديد، لم يدخل حيز الاستعمال بعد؟ وإذا صحت هذه المعطيات، فمن يتحمل مسؤولية عدم توظيفها لخدمة المرضى؟.

 

 

إن هذه القضية تتجاوز كونها حالة فردية، لتطرح بإلحاح سؤال تدبير المرفق الصحي العمومي، ومدى قدرة المؤسسات الاستشفائية على ضمان الحد الأدنى من شروط الاستقبال والتكفل بالمواطنين، في حين أن الحق في العلاج لا يقتصر على إجراء العمليات الجراحية، بل يشمل أيضًا توفير وسائل الإيواء، والنقل داخل المؤسسة، والمواد الطبية الأساسية، والعناية اللاحقة التي تحفظ للمريض كرامته وتضمن سلامته.

 

 

واليوم، وبينما لا يزال هذا الشاب ينتظر العلاج، ينتظر الرأي العام بدوره توضيحات رسمية من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وإدارة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بشأن ملابسات هذه القضية، والإجراءات التي ستتخذ للتحقق من الوقائع وترتيب المسؤوليات، حتى لا تتكرر مشاهد يضطر فيها المرضى إلى افتراش الأرض أمام أبواب المستشفيات في انتظار حقهم في العلاج، فالمحاسبة تبدأ حين يصبح الإهمال خطرًا يهدد حياة المواطنين، لا مجرد خطأ إداري عابر.

أضف تعليقك

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0