بيت الصحافة بطنجة.. حين يؤتى القوس باريها

 

لحسن العسبي

“بيت الصحافة”، اسم جديد انضاف لريبرتوار المشهد الإعلامي المغربي، الإثنين الماضي، بعد تدشينه من قبل العاهل المغربي محمد السادس بطنجة. الإسم جميل حقيقة، لأنه يتصادى واسم تاريخي آخر له رنينه الخاص في ذاكرة الصحافة العالمية، وفي تاريخ صاحبة الجلالة، هو “بيت الصحافة” الألماني القديم، الذي عرف أكثر ب “بيت فوغر”، أي إسم واحدة من أهم التجارب الصحفية بألمانيا وبأروبا وبالعالم، “مجموعة فوغر”، التي لا تزال مجلداتها 17 مخزنة في متحف برلين إلى اليوم. والقصة هناك تعود إلى القرن 16 الميلادي، بسبب أن الصحافة كمهنة وكمعنى قد ولدت أول ما ولدت بألمانيا، لأسباب تاريخية يطول شرحها، ترتبط بميلاد البورجوازية في الموانئ النهرية للمدن الألمانية الجديدة، التي دشنت عمليا لميلاد “نظام المدينة” (نظام الدولة المركزية الحديثة)، الذي لا يزال ساريا إلى اليوم.
الحقيقة، أنني فرحت عاليا لهذا المنجز المغربي، ليس فقط لأنه أول “بيت للصحافة” بالمغرب، بل لأنني سعدت أنني كنت شاهدا على ميلاده كفكرة جنينية في دروب طنجة منذ 5 سنوات، بفضل حلم انطلق من زميل وأصبح مشروعا مبهرا قائما، استحق أن تدشنه أعلى سلطة بالبلاد. وثانيا، كونه مشروعا ولد في طنجة.. طنجة الفضاء الإسثتنائي في تاريخ الصحافة المغربية، لأنه هناك تعلمنا مغربيا أول الأبجديات لممارسة مهنة إسمها “الإعلام”، منذ أواسط القرن 18. لقد تتبعت بدقة تفاصيل ميلاد فكرة ذلك البيت، حين بادر الزميل سعيد كوبريت، من موقعه ككاتب عام لفرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بمدينة البوغاز، إلى بداية جس نبض الفكرة في المحيط الطنجي، ثم في العاصمة الرباط، وشرع يهيئ “دفوعاته الشكلية” المقنعة، المفحمة لحمل جهات عدة في الدولة وفي المجتمع المدني للإقتناع أن الحلم يستحق ألق احتضانه وترجمته على أرض الواقع. وكان طبيعيا أن يحصل الصدى هناك في الشمال، لأن فضاء طنجة (سلوكيا ومجتمعيا) يمتلك من مكرمة الإنفتاح واحتضان الأحلام المثقلة بالرمزية المعلية من قيمة المدينة الكثير، ما يجعله متصالحا مع تاريخ المكان العريق الذي نسجته أجيال وأجيال من نخبة المدينة منذ الزمن الغابر للحضارة المغربية في أعلى نتوء له مطل على البحرين وعلى العالم. كنت في مكان ما، أظل أنصت للزميل كوبريت، في مقهى “اليمامة” بشارع باستور، وهو يرسم الحلم في خياله، ويصف تفاصيله بدقة فرحة، وكنت في قرارتي أشفق عليه، أنا القادم من “داخل” مثقل بإحباط الحلم، حيث الرمزيات لا قيمة لها أمام منطق الريع والولاءات. وكنت كثيرا ما أقول له: “أفلح إن صدق”، وكان هو يتحدى ويقول سترى. وصدق هو ورأيت. رأيت الرجل يخطو جوار ملك البلاد، يشرح له بفرح خاص في عينيه، حلما منجزا على أرض الواقع.
أن يولد “بيت الصحافة” في طنجة بالضبط، فهذا له معنى آخر خاص، إذ كما لو أنه قد “أوتي القوس باريها”. أليس في طنجة ولد أول مكتب للصحافة رسمي للدولة المغربية، على عهد السلطان الحسن الأول، مهمته تتبع ما ينشر عن القضية المغربية أروبيا (خاصة في صحف ألمانيا وإسبانيا وإنجلترا وبدرجة أقل في فرنسا)، وأن تحرر ملخصات عنها تنقل إلى قصر السلطان دوريا في فاس، قبل أن يتكفل ممثل السلطان بطنجة الحاج بركاش، بالرد الرسمي على أغلب تلك الصحف وتوضيح الموقف الرسمي في قضايا متعددة؟. أليس في طنجة صدرت أول الصحف الإنجليزية الخاصة بالمغرب، زمن السير دارموند هاي (السفير الإنجليزي بمرتبة لورد ووزير مفوض، الذي قضى بطنجة 40 سنة كاملة)، عقودا طويلة قبل صدور الصحف الفرنسية بذات المدينة في آخر القرن 19؟. أليس في طنجة صدرت عناوين صحفية باللغة الإسبانية ذات وزن (رغم أن أغلب الصحف الإسبانية الخاصة بالمغرب، قد صدرت أكثر في تطوان وبدرجة أكبر في سبتة ومليلية المحتلتين)؟. أليس، أخيرا، أنه في طنجة صدرت أول الصحف العربية “المغربية”، التي مول بعضها بشكل غير مباشر السلطان مولاي عبد العزيز وأشرف عليها صحفيون من الشام؟. أليست طنجة هي عمليا مقر ما يمكن وصفه ب “وزارة الخارجية المغربية” لقرون، بسبب أن كل السفارات الأجنبية، من موسكو حتى واشنطن، مرورا ببرلين ولندن ومدريد وستوكهولم وأمستردام وجنوة وروما وباريس وإسطنبول وبروكسيل، طيلة القرون الأربعة من القرن 16 حتى بداية القرن 20، قد كانت في ربى ومرتفعات طنجة؟.
بالتالي، فإن قصة الصحافة المغربية قد ولدت، أول ما ولدت، في مدينة البوغاز. وهناك اكتسبت دوما ألقا مهنيا متميزا، خاصا، جريئا بمقاييس دولية. وأنها في مكان ما قد لعبت دورا حاسما في صناعة الرأي العام المحلي الطنجي والشمالي المغربي بشكل أعم، بالشكل الذي جعل الذهنية السلوكية لأهلها وأهل الشمال مختلفة تماما عن باقي الذهنية المغربية في العلاقة مع الصحافة. ومن هنا، اكتساب إنشاء “بيت الصحافة” بها معنى متميزا خاصا. بل يكاد المرء الجزم، أنها الفضاء الوحيد الممكن انتظار مبادرة مماثلة منه، بينما مدينة مثل الدارالبيضاء لم (وربما لن) تفلح حتى في تهييئ “ناد للصحافة”، بسبب أن العقليات التدبيرية مختلفة بهذه المدينة الغول، التي بلا روح ثقافية، مختلفة في عمقها السلوكي مجتمعيا بشكل نكوصي سلبي. بل إن طنجة قد ظلت كبيرة في التاريخ المغربي والمتوسطي، لأنها امتلكت دوما نخبا سمت بها، مع سمو تاريخها العريق ذاك. وأن أجيالها الجديدة (بما فيها التي بقيت في الظل)، هي التي سمحت أن يصبح للمغرب “بيت للصحافة” بكل الألق المستحق للإسم وللمبادرة ولمعناها المهني والإجتماعي. شكرا طنجة، شكرا لنخبتك من كل الأجيال، شكرا للزملاء هناك عند الإطلالة على الأزرق الممتد بين قارتين وبين حضارتين.

أضف تعليقك

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0